محمد بن جرير الطبري

374

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

البيت ، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقاتلهم ، فاقبل عليه محمد بن الأشعث فقال : يا فتى ، لك الأمان ، لا تقتل نفسك ، فاقبل يقاتلهم ، وهو يقول : أقسمت لا اقتل الا حرا * وان رايت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا * ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقر * أخاف ان اكذب أو اغرا فقال له محمد بن الأشعث : انك لا تكذب ولا تخدع ولا تغر ، ان القوم بنو عمك ، وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وقد أثخن بالحجارة ، وعجز عن القتال وانبهر ، فاسند ظهره إلى جنب تلك الدار ، فدنا محمد ابن الأشعث فقال : لك الأمان ، فقال : آمن انا ؟ قال : نعم ، وقال القوم : أنت آمن ، غير عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمى فإنه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل ، وتنحى . وقال ابن عقيل : اما لو لم تؤمنونى ما وضعت يدي في أيديكم واتى ببغله فحمل عليها ، واجتمعوا حوله ، وانتزعوا سيفه من عنقه ، فكأنه عند ذلك آيس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثم قال : هذا أول الغدر ، قال محمد ابن الأشعث : أرجو الا يكون عليك باس ، قال : ما هو الا الرجاء ، اين أمانكم ! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! وبكى ، فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس : ان من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ، قال : انى والله ما لنفسي ابكى ، ولا لها من القتل ارثى ، وان كنت لم أحب لها طرفه عين تلفا ، ولكن ابكى لأهلي المقبلين إلى ، ابكى لحسين وآل حسين ! ثم اقبل على محمد بن الأشعث فقال : يا عبد الله ، انى أراك والله ستعجز عن امانى ، فهل عندك خير ! تستطيع ان تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا ، فانى لا أراه الا قد خرج إليكم اليوم مقبلا ، أو هو خرج غدا هو وأهل بيته ، وان ما ترى من جزعي لذلك ،